وهبة الزحيلي
231
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وكان شأن اللّه الغفران دائما لهؤلاء المهاجرين ، وإسباغ الرحمة الشاملة لهم بعطفه وإحسانه وفضله . ويؤكد هذا المعنى الحديث المشهور في الصحيحين عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى اللّه ورسوله ، فهجرته إلى اللّه ورسوله ، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها ، فهجرته إلى ما هاجر إليه » . وما أعظم الفرق بين هذا الوعد الصريح الأكيد من اللّه ، وبين الوعد بالمغفرة لتاركي الهجرة لضعف أو عجز بأنه محل رجاء وطمع عند اللّه تعالى . فقه الحياة أو الأحكام : المراد بهذه الآية في الأصح كما ذكر القرطبي : جماعة من أهل مكة كانوا قد أسلموا وأظهروا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم الإيمان به ، فلما هاجر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أقاموا مع قومهم ، وفتن منهم جماعة فافتتنوا ، فلما كان أمر بدر ، خرج منهم قوم مع الكفار ، فنزلت الآية . وبخ اللّه تعالى هؤلاء المتقاعسين عن الهجرة ، وأرشدهم إلى أنهم كانوا متمكنين قادرين على الهجرة والابتعاد عمن كان يستضعفهم ، وأنه لم يقبل عذرهم بكونهم مستضعفين حقيقة . وفي هذه الآية دليل على هجران الأرض التي يعمل فيها بالمعاصي . أما المستضعفون حقيقة من زمنى الرجال وضعفة النساء والولدان ، كعياش بن أبي ربيعة وسلمة بن هشام الذين دعا لهم الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بالنجاة ، فهؤلاء يرجى لهم من اللّه العفو والمغفرة .